- تأمينات السعدي -

- تأمينات السعدي -

- الإعلانات -

تقزيم صلاحيات المجالس الترابية بين سندان الرقابة ومطرقة المحاسبة الشعبية

سمير بيواراين

في إطار المسار التحديثي التدبيري لشأن الترابي، برزت المجالس الترابية كأحد أركان اللامركزية التي يُفترض أن تعزز المشاركة المحلية في صنع القرار. غير أن واقع الحال يكشف عن إشكالية جوهرية تتعلق بتقزيم صلاحيات هذه المجالس، الذين يُحاصرون بين رقابة إدارية مركزية صارمة ومساءلة شعبية متزايدة. هذا الوضع لا يحد من فعالية الحكامة المحلية فحسب، بل يهدد بتآكل الثقة في العملية الديمقراطية ذاتها.

- إعلانات -

- إعلانات -

Video-B

لقد نص الدستور المغربي لسنة 2011، خاصة الفصول 135 إلى 146، على تعزيز اللامركزية عبر منح المجالس الترابية صلاحيات تشريعية ومالية واسعة. و أكد القانون التنظيمي 113.14 على استقلالية هذه المجالس في تدبير الشأن المحلي. لكن النصوص القانونية تتعارض أحياناً مع الممارسة الفعلية، حيث تُختزل صلاحيات المجالس في إطار مراقبة الداخلية التي تفرض وصاية إدارية ومالية صارمة، بدعوى الحفاظ على “استمرارية المرفق” و” محاربة هدر المال العام “.
و يتجلى سندان رقابة الداخلية في عدة مستويات: أولها الرقابة المسبقة, كاعتماد الميزانيات أو المصادقة على قرارات الاستثمار. تانيها رقابة لاحقةو ذالك عبر آليات التفتيش الإداري التي قد تصل إلى حل المجالس في حال “الخروج عن الظوابط القانونية”.
هذه الرقابة، وإن كانت تستند إلى مبررات قانونية، تُفرغ اللامركزية من مضمونها، وتحول المجالس إلى مجرد منفذين لتعليمات المركز، مما يُضعف روح المبادرة المحلية.
من جهة أخرى،مطرقة المحاسبة الشعبية حيث تواجه المجالس ضغوطاً شعبية متصاعدة، تظهر عبر صناديق الاقتراع و التي يُحاسب من خلالها الناخبون المجلس على تحقيق الوعود الانتخابية و لو في غياب الموارد الكافية.دون ان نهمل دور الإعلام والحركات الاحتجاجية التي تكشف عن فجوة بين توقعات المواطنين وإمكانيات المجالس الحقيقية.وينظاف ظغط المجتمع المدني عبر تقارير الرصد والمطالبة بالشفافية و المحاسبة. فهذه المساءلة تخلق مفارقة قطبية,فالساكنة تطالب بحكامة محلية فاعلة، بينما تكرس المركزية تقييد الأدوات اللازمة لذلك.وتشل القدرة على الابتكار, خوفاً من الاصطدام بحدود الرقابة الإدارية أو سخط الجمهور, و تساهم في تكريس البيروقراطية, حيث تصبح الإجراءات الروتينية هدفاً بحد ذاتها، بدل تحقيق التنمية. و اخيرا , انعدام الثقة في الطبقة السياسية المحلية, إذ يُنظر للمحالس كوسطاء بين المركز والمواطن، لا كقادة فاعلين.

إن تقزيم صلاحيات المجالس الترابية ليس مجرد إشكالية إدارية، بل هو اختبار لمصداقية المشروع الديمقراطي كنمودج استثنائي . فبدون مراجعة شاملة لآليات الرقابة المركزية، وتعزيز الاستقلالية المالية والإدارية، وخلق توازن بين المساءلة الشعبية وتمكين المجالس، سيستمر العزوف عن الديمقراطية التشاركية، وسيبقى الحلم اللامركزي حبراً على ورق.و ستبقى المجالس الترابية هياكل شكلية, لا فاعل حقيقي في صنع التنمية.

B-post-3
أضف تعليق