شتوكة آيت باها وتحديات الهجرة الإفريقية: واقع معقد في حاجة إلى حلول متوازنة
شتوكة تيفي
في السنوات الأخيرة، شهد إقليم شتوكة آيت باها تزايدًا مطّردًا في أعداد المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة في مراكز حضرية كآيت عميرة، سيدي بيبي، بلفاع وبيوكرى.

- إعلانات -
وتشير تقديرات ميدانية، استنادًا إلى معطيات سنة 2024، إلى أن جهة سوس ماسة باتت تضم آلاف المهاجرين، يستقر عدد كبير منهم في شتوكة نظرًا لما يوفره النشاط الفلاحي من فرص شغل، وإن كانت غير مهيكلة.
الوافدون، أغلبهم من دول تعيش ظروفًا مضطربة، اختاروا الاستقرار أو التوقف المؤقت داخل الإقليم، مما خلق واقعًا ديموغرافيًا جديدًا تترتب عنه تحديات متداخلة. فعلى المستوى الاقتصادي، أثّر تزايد العمالة الأجنبية على توازن سوق الشغل المحلي، خصوصًا في القطاع الفلاحي، حيث يشتغل عدد كبير منهم في الضيعات بأجور يومية زهيدة مقارنة باليد العاملة المغربية، وهو ما يدفع بعض المستثمرين إلى تفضيلهم، ويخلق منافسة غير متكافئة تُفاقم بطالة الشباب المحلي.
أما على المستوى المجتمعي، فتُعد آيت عميرة مركزًا رئيسيًا لتجمع هؤلاء المهاجرين، وتشهد بين الفينة والأخرى مواجهات محدودة نتيجة احتكاك يومي في أحياء تعاني من التهميش والاكتظاظ، وهو ما استدعى تدخلات أمنية وتنظيمية متكررة.
ومع ذلك، فإن مناطق أخرى مثل بلفاع وسيدي بيبي وبيوكرى تستقبل أيضًا أعدادًا مهمة من المهاجرين، دون أن تظهر مؤشرات حادة للتوتر، وهو ما يُعزى جزئيًا إلى غياب الكثافة المفرطة أو وجود هوامش للتوزيع الجغرافي.
وفي بادرة مدنية لافتة، احتضنت جماعة بلفاع خلال السنوات الأخيرة عددًا من اللقاءات والدورات التكوينية التي يشرف عليها الأستاذ الجامعي خالد العيوض، والتي استهدفت المهاجرين الأفارقة أنفسهم، عبر برامج موجهة للتأهيل الاجتماعي والثقافي، ومحاولة دمجهم في محيطهم الجديد بلغة القانون والحوار، بدل التهميش والانعزال.

هذه المبادرات، وإن كانت ذات طابع محدود، إلا أنها تعكس وعيًا تدريجيًا بضرورة بناء جسور للتعايش المسؤول.
ومن مظاهر التمركز الثقافي والاجتماعي للمهاجرين، شهدت آيت عميرة ، تنظيم حدث رياضي لافت تمثل في “دوري رمضان” و”دوري عيد الأضحى”، وهو دوري خاص بالمهاجرين الأفارقة نظموه بأنفسهم بمشاركة فرق من جنسيات متعددة.
وشهدت أطوار مباريات الدوري ،وخاصة دور النصف و النهائي ، مستوى من الحماس والتفاعل تجاوز التوقعات، حيث امتلأت الأرضية الترابية التي احتضنت الدوري بجمهور متحمس، وأجواء احتفالية تُشبه إلى حد كبير ما يُنقل عادة من ملاعب بلدانهم الأصلية، سواء من حيث الهتافات أو ألوان القمصان أو الطقوس الجماهيرية.
مقاطع الفيديو التي تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي عكست هذا الزخم الثقافي والاجتماعي، وأثارت إعجابًا وفضولًا في الآن ذاته.
غير أن هذه الحيوية في التنظيم الذاتي تفتح بدورها أسئلة عميقة حول مستقبل الاندماج: هل نحن أمام بدايات مجتمع موازٍ يعيش ثقافته الخاصة داخل المجال الترابي للمغرب؟ أم أن الأمر يتطلب فقط تفعيل آليات الإدماج القانوني والاقتصادي والاجتماعي ضمن تصور وطني للهجرة؟
كما يُطرح موضوع تسجيل مواليد من آباء أو أمهات من إفريقيا جنوب الصحراء في سجلات الحالة المدنية المغربية، سواء في حالات الزواج المختلط أو بين مهاجرين فيما بينهم، مما يعزز النقاش حول تنظيم الجنسية والهويات القانونية، خاصة في ظل غياب سياسة متكاملة تضبط هذا الامتداد الديموغرافي الجديد.
في ظل هذا الواقع المتعدد الأبعاد، تبدو الحاجة ملحّة لصياغة مقاربة وطنية متوازنة تُعالج ملف الهجرة بمنطق الحقوق والمسؤوليات، وتحمي استقرار المجتمعات المحلية دون السقوط في التمييز أو الإقصاء.
فشتوكة آيت باها لم تعد فقط إقليمًا فلاحيا، بل مختبرًا حقيقيا للتعايش بين الهويات، والتدبير المشترك للتنوع، وهو ما يستدعي وعيًا جماعيًا وتدخلًا مؤسساتيًا ذكيًا قبل أن تسبق الظواهر الاجتماعية قدرة السياسات على احتوائها.




أخبار الإقليم