في زمن تتسابق فيه الأسعار نحو الأعلى، وتتباطأ الأجور في سباق البقاء، يعود سؤال قديم جديد ليطرح نفسه بإلحاح: هل مازال المغاربة قادرين على ادخار شيء لدواير الزمان؟
الأرقام الرسمية، التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط، لا تترك هامشًا كبيرًا للتفاؤل، بل تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن جيوب الأسر المغربية أنهكتها الأعباء اليومية، وأن مفهوم الادخار بات أشبه برفاهية من الماضي.

- إعلانات -
وفقًا لبحث الظرفية برسم الفصل الثاني من سنة 2025، استقر مؤشر ثقة الأسر عند 54.6 نقطة فقط، وهو رقم يكشف تراجع الأمل الجماعي واستفحال التشاؤم، خاصة في ظل إقرار 76 في المائة من الأسر بتدهور أوضاعها خلال السنة الماضية، واعتقاد قرابة النصف أن القادم أسوأ.
وتكشف المعطيات أن الهاجس الاقتصادي لم يعد مسألة ظرفية، بل بات مكوّنا رئيسيًا في التفكير اليومي للمواطن. فبينما ترتفع نسب القلق من البطالة (71.8 في المائة)، وتعترف أغلب الأسر (94.2 في المائة) بارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية، تؤكد 91.3 في المائة من الأسر أنها عاجزة عن الادخار، وأكثر من 40 في المائة صارت تعتمد على القروض أو تلجأ إلى تبخُّر ما تبقى من “التحويشة”.

الادخار، الذي كان يمثل في الوعي الجمعي المغربي صمام أمان لمواجهة “دواير الزمان”، بات اليوم ذكرى تُستعاد أكثر مما تُمارس. ففي أسواق ارتفعت فيها أسعار العدس أكثر من ثمن السمك قبل سنوات، صار تأمين مصاريف الأسبوع إنجازًا، فكيف بالادخار لشهر أو سنة أو طوارئ غير مرئية؟
لكن خلف هذه الأرقام الباردة، هناك أزمة صامتة تتسرب بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية: تأجيل الزواج، تقليص مصاريف التعليم، التخلي عن الترفيه، والبحث المستمر عن حلول ترقيعية تنقذ ما يمكن إنقاذه.
الأمل، رغم ضبابية المشهد، لم يمت. لا يزال ينبض في مبادرات التضامن المجتمعي، وفي محاولات البعض للبحث عن مداخيل إضافية، أو التكيّف الذكي مع نمط حياة جديد أقل كلفة. لكن، دون تدخل فعلي من صانع القرار، تبقى هذه المحاولات مثل قطرة ماء في صحراء مشتعلة.
لقد تغيّرت المعادلة: من أسر كانت تدّخر لـ”الزمان”، إلى أسر باتت تقترض منه.




أخبار الإقليم