تُشير تصريحات وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف الأخيرة، سواء بخصوص التصويت على مشروع القرار الأمريكي المتعلق بوقف إطلاق النار في غزة، أو اقتراح “الوساطة” في النزاع حول الصحراء الغربية، إلى أن الدبلوماسية الجزائرية قد بدأت تتجه نحو مسار يعتمد على البراغماتية الواقعية في التعامل مع الأزمات الإقليمية، بدلاً من التمسك الحرفي بالخطاب الثوري التقليدي.
وفيما يخص غزة، فإن تحليل التصويت لصالح القرار الأمريكي بوصفه “تخلياً” يتجاهل أن الجزائر كانت تسعى، بالتشاور مع المجموعة العربية، إلى تمرير أي قرار يضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار وتوصيل المساعدات الإنسانية. ويُنظر إلى هذا التصويت على أنه خيار تكتيكي ضمن مجلس الأمن، يهدف لتحقيق هدف عاجل وهو وقف المجازر، حتى لو كانت صياغة القرار غير مثالية. فالجزائر، بصفتها عضواً في المجلس، اختارت الفعل المباشر على الامتناع، مؤكدة أنها أدخلت تعديلات جوهرية تعكس الموقف العربي.
أما بخصوص قضية الصحراء الغربية، فإن حديث عطاف عن “الوساطة بين المغرب والبوليساريو” يمكن قراءته كمحاولة من الجزائر لضبط علاقاتها الإقليمية وتقديم نفسها كطرف مسؤول إقليمياً ملتزم بالحلول السلمية تحت مظلة الأمم المتحدة. هذا الخطاب لا ينفي دور الجزائر الحقيقي في دعم البوليساريو، لكنه يحاول إعادة تعريف هذا الدور في العلن كـ”طرف جوار” يسعى لتسهيل الحل وليس كـ”طرف نزاع مباشر”، مما قد يهدف إلى تخفيف الضغط الدولي أو إعادة تموضعها دبلوماسياً في سياق النزاع.
إن ربط هذه التحولات بالتخلي عن “ثوابت” قد يكون سابقاً لأوانه، حيث أن الجزائر لم تغير رسمياً موقفها الرافض للتطبيع أو الداعم لحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة. ومع ذلك، فإن النبرة الدبلوماسية الجديدة تشير إلى استعداد متزايد لتبني مواقف تخدم مصالحها القومية واستقرارها الإقليمي، حتى لو عنى ذلك مراجعة تكتيكات الخطاب التقليدي، مما قد يفتح الباب لمزيد من المرونة في التعامل مع ملفات شائكة كانت تعتبر في السابق “خطوطاً حمراء”.




أخبار الإقليم