- تأمينات السعدي -

- تأمينات السعدي -

- الإعلانات -

أسعار ملتهبة سوق الجملة للخضر والفواكه بإنزكان

شتوكة تيفي _ مصطفى رضى

تعد أسعار الخضر والفواكه في سوق الجملة بإنزكان مقياساً حقيقياً لنبض المطبخ المغربي، فمن هذا الشريان الحيوي تنطلق الإمدادات لتغذي موائد المملكة وتمتد حتى عمق إفريقيا جنوب الصحراء، إلا أن هذا الصرح التجاري يشهد اليوم غلياناً غير مسبوق في الأسعار أربك حسابات الأسر والمهنيين على حد سواء، حيث تحولت جولة ميدانية بسيطة في أرجاء السوق إلى معاينة حية لأزمة مركبة تتداخل فيها تقلبات الطبيعة بضغوط الاقتصاد، فقد سجلت أثمنة المواد الأساسية قفزات صاروخية جعلت “البصل” يتربع على عرش الغلاء بسعر جملة تجاوز 360 درهماً للصندوق، ليصل إلى المواطن بنحو 15 درهماً للكيلوغرام، بينما لم تكن الطماطم والبطاطس والجزر بمنأى عن هذا الارتفاع الذي طال حتى الفواكه، محولاً إياها إلى سلع بعيدة المنال عن الفئات المتوسطة والفقيرة، في مشهد يعكس اختلالاً عميقاً في ميزان العرض والطلب.
​وتكشف الشهادات الحية من قلب الضيعات الفلاحية بشتوكة آيت باها أن الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج “كوكتيل” من الإكراهات، يبدأ بنقص حاد في اليد العاملة الزراعية التي بات تأمينها معضلة حقيقية رفعت الأجور اليومية إلى مستويات ترهق كاهل الفلاح وتؤخر عمليات الجني، مما يقلص الكميات المعروضة في الأسواق ويضرب جودتها، وتزداد الصورة قتامة مع التأثير المباشر لأسعار المحروقات التي تلتهم هوامش الربح، إذ يظل الفلاح والتاجر رهينين لتقلبات سعر “الغازوال” الذي يحرك الجرارات وشاحنات النقل في ظل غياب بدائل طاقية واسعة النطاق كالطاقة الشمسية، وبالرغم من النداءات المتكررة لدعم “الغازوال الفلاحي”، يظل القطاع يواجه هذه التكاليف منفرداً، مما ينعكس بشكل تلقائي على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
​ولم تكن الطبيعة أرحم بالقطاع من الضغوط الاقتصادية، فقد وجهت العواصف الريحية القوية التي ضربت جهة سوس ماسة ضربة موجعة للزراعات المغطاة، مخلفة دماراً في آلاف الهكتارات من “الدفيئات” البلاستيكية، وهو ما أدى إلى إتلاف محاصيل إستراتيجية من الطماطم والفلفل كانت موجهة للسوق الوطنية، هذا التراجع الاضطراري في الإنتاج المحلي فتح الباب على مصراعيه أمام “التغلغل الأوروبي” في السوق، حيث اضطر التجار لاستيراد البصل والبطاطس من هولندا وإسبانيا لسد الخصاص، ورغم أن هذه المنتجات المستوردة عرضت بأسعار منافسة، إلا أن المهنيين يشككون في جودتها ومذاقها مقارنة بالمنتوج المحلي، معتبرين الاستيراد مجرد مسكن مؤقت لا يحل أصل المشكلة المرتبطة بهشاشة السيادة الغذائية أمام التقلبات المناخية.
​وفي خضم هذه السلسلة المعقدة، يبرز دور “الوسطاء” كحلقة تزيد من اشتعال الأسعار، حيث يتم شراء المحاصيل من الفلاحين بأثمنة بخسة ليعاد بيعها عبر حلقات متعددة يضيف كل منها هامش ربحه الخاص، مما يجعل الفوارق السعرية بين الضيعة والمستهلك تصل إلى مستويات قياسية لا مبرر لها، إن استمرار هذا الوضع بإنزكان، ومن خلفه كافة الأسواق المغربية، يدق ناقوس الخطر حول ضرورة تدخل عاجل لإعادة تنظيم سلاسل التسويق ودعم الإنتاج المحلي، فبدون إجراءات ملموسة لضبط الفوضى وتخفيف عبء التكاليف عن المنتج، سيبقى جيب المواطن المغربي هو الضحية الأولى في معركة الأسعار الملتهبة التي يبدو أنها مرشحة للاستمرار.

B-post-3
أضف تعليق