مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يتكرر مشهد يكاد يصبح جزءاً من الطقوس السياسية ، شريط من التدشينات، وزيارات ميدانية، وإطلاق مشاريع تنموية، وقص أشرطة الافتتاح، وصور تملأ هنا و هناك على منصات وسائل التواصل الاجتماعي. وفي خضم هذا الحراك، يجد المواطن البسيط نفسه أمام سؤال مشروع, لمن تُنسب هذه الإنجازات ؟ آ لمؤسسات الدولة التي موّلتها وخططت لها ؟ أم للمنتخب ( السياسي و ليس الرياضي ) الذي يقف أمام عدسات الكاميرات إلى جانبها؟

- إعلانات -
هذا السؤال لا يستهدف الأشخاص ولا حتى المؤسسات ، بل يطرح إشكالية أعمق تتعلق بالفصل بين مؤسسات الدولة والأحزاب السياسة، وبين الإدارة الوصية والتنافس الانتخابي.
فبرامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والبرامج القطاعية للوزارات، والاستثمارات العمومية، ليست مشاريع حزبية، ولا برامج انتخابية خاصة بمنتخب أو جماعة سياسية، وإنما هي مشاريع ممولة من المال العام، أُنجزت بموارد جميع المواطنين، ومن المفترض أن يستفيد منها الجميع دون أن تتحول إلى رأسمال انتخابي لهذا الطرف أو ذاك.
لكن عندما تتكثف هذه المشاريع أو يزداد حضورها الإعلامي قبيل الانتخابات خاصة في آخر سنة تدبيرية ، يبرز سؤال آخر, هل هو مجرد تزامن طبيعي فرضته البرمجة الإدارية؟ أم أن هذا التوقيت، مهما كانت أسبابه، يخلق واقعاً يمنح بعض الفاعلين السياسيين حضوراً أكبر من حجمهم في الميدان مقارنة بمنافسيهم؟
و حتى لو كان الأمر مجرد صدفة إدارية وانا مع هذا الطرح طبعا ، فإن أثرها السياسي يبقى قائماً. فالناخب العادي البسيط لا يطالع دائماً وثائق التمويل أو قرارات البرمجة، بل يرى منتخباً يقف أمام مشروع جديد، فيربط في ذهنه بين المشروع وصاحبه. وهكذا قد يتحول إنجاز الدولة إلى رصيد انتخابي غير مباشر، دون أن يكون ذلك بالضرورة مقصوداً.

وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية, فكيف يمكن لمرشح مستقل مثلا أو لحزب لا يسير مؤسسة ترابية ولا يشارك في الأغلبية المحلية و لا حتى من منصة المعارضة ، أن ينافس منتخباً يحضر باستمرار في افتتاح مشاريع عمومية؟ وكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص إذا كان بعض المتنافسين يستفيدون، بحكم مواقعهم المؤسساتية، من حضور ميداني وإعلامي مجاني و شامل لا يتاح بالقدر نفسه لبقية المنافسين المحتملين ؟
إن حياد الإدارة لا يعني فقط عدم التدخل في يوم الاقتراع، بل يعني أيضاً الحرص على ألا يُفهم العمل الإداري أو المشاريع العمومية على أنها دعاية انتخابية، حتى ولو وقع ذلك بصورة غير مباشرة. فالإدارة ، في دولة المؤسسات، يجب أن تبقى على المسافة نفسها من جميع المتنافسين، لأن ثقة المواطنين في الديمقراطية تبدأ قبل فتح صناديق الاقتراع بوقت طويل.
ومن هنا يأتي عنوان هذا المقال “السادة العمال…تستحقون بكل أمانة الترشح كمستقلين؟” إنه سؤال مجازي، لا يقصد الأشخاص بقدر ما يسلط الضوء على مفارقة سياسية. فإذا كانت المشاريع التي تنجزها الدولة تتحول، في نظر جزء من المواطنين، إلى رصيد انتخابي يستفيد منه بعض المنتخبين، فإن الإدارة تجد نفسها، ولو من غير قصد، حاضرة في قلب المنافسة السياسية، بينما يفترض فيها أن تكون الضامن الأول لحيادها.
إن الديمقراطية ليست فقط احترام نتائج الانتخابات، بل هي أيضاً ضمان عدالة الفرص قبل الانتخابات. والمال العام ليس ملكاً لحزب، ولا لمنتخب، ولا لمسؤول إداري، بل هو ملك لجميع المواطنين. لذلك، فإن التواصل حول المشاريع العمومية ينبغي أن يعزز الثقة في مؤسسات الدولة، لا أن يثير الانطباع بأن الإنجاز العمومي أصبح امتيازاً انتخابياً.
فالمنتخب يُحاسب على ما بادر إليه، وما دافع عنه، وما حققه من خلال صلاحياته القانونية، أما المشاريع التي تمولها الدولة فيجب أن تبقى عنواناً لاستمرارية المؤسسات، لا وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوى السياسية.
وعندما ينجح المجتمع في التمييز بين إنجاز الدولة وإنجاز المنتخب، يصبح التنافس قائماً على الكفاءة والبرامج والرؤية، لا على من التقط الصورة الأولى أمام مشروع دفع ثمنه جميع دافعي الضرائب المغاربة.




أخبار الإقليم