للسنة الثالثة على التوالي، يستمر السكون في فضاءات سيدي بيبي ، فلا صهيل خيل يقطع صمت الجماعة، ولا طلقات “بارود” تلهب حماس العشاق، ولا منصات موسيقية تجمع الآلاف كما كان عليه الحال قبل ثلاثة أعوام، حين بَصَمَ المهرجان على إحدى أنجح دوراته في الجهة كمّاً ومضموناً.

- إعلانات -
غير أن هذا الغياب الممتد لم يعد مجرد قرار طارئ، بل تحول إلى خيار تدبيري مستمر يضع المجلس الجماعي اليوم أمام امتحان النتائج والوعود.
فحين أُثير الجدل سابقاً حول إلغاء التظاهرة، جاء تصريح مدير المهرجان والنائب الأول لرئيس الجماعة، سمير بيواراين، بعبارته التلقائية: “وش كضحك عليا، سيدي بيبي عامرة مشاكل، خاصها غير المهرجان؟”.
كانت تلك الخرجة الإعلامية بمثابة صدمة واقعية لقيت تفهماً لدى الشارع ، إذ حملت إقراراً صريحاً بأن تحويل ميزانية المهرجان. نحو الأولويات الحارقة من تعبيد الطرق المتهالكة، وتهيئة السوق الأسبوعي، وتعزيز خدمات النظافة والإنارة، يُعدّ أجدى وأصدق من إنفاقها على “بهرجة” موسمية عابرة.
غير أنه اليوم، ومع دخول هذا التوقف عامه الثالث، يتجاوز النقاش مرحلة “تَفَهُّمِ الإلغاء” ليقف عند مرحلة “تقييم الأثر”.
فالمنطق التنموي الذي يرفع شعار تقديم “الأولويات على الاحتفال” يسقط في اختبار الزمن إن لم تتجسد تلك الوفرة المالية المفترضة في تغيير ملموس يمس التفاصيل اليومية للساكنة.

إن تجميد الفعل الثقافي والترفيهي قد يكون قراراً شجاعاً في لحظة ظرفية لترتيب البيت الداخلي، لكنه يتحول بمرور السنين إلى شماعة تُخفي بطء الإنجاز، إذا ظلت الحفر تغزو الأزقة وبقي السوق الأسبوعي على حاله.
لا أحد ينكر أن الثقافة تحتاج إلى بيئة سليمة لكي تزدهر، وأن إقامة الكرنفالات فوق بنيات تحتية هشّة هو نوع من مساحيق التجميل الزائفة.
لكن الثقافة والترفيه في الوسط القروي ليسا رفاهية زائدة يمكن استئصالها نهائياً، بل هما متنفس اجتماعي واقتصادي حقيقي.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بعد ثلاث سنوات من الصمت: هل تحولت الأموال الموفرة فعلياً إلى ورش تنموي مشهود أصلح اختلالات الجماعة، أم أن سيدي بيبي خسرت مهرجانها الناجح دون أن تكسب البنية التحتية الموعودة؟
إن نجاح المقاربة التدبيرية لا يُقاس بما تم إلغاؤه من مظاهر الاستعراض، بل بما تم تشييده من نفع عام.
وحين تتوالى السنوات العجاف على المشهد الثقافي بالمنطقة، يصبح الشارع في حاجة إلى أثر ميداني يُثبت أن تضحية الساكنة بمتنفسها السنوي لم تذهب أدراج الرياح، بل أثمرت كرامةً وحلولاً جذرية لمنطقة أعلنت يوماً أنها اختارت العمق والواقعية على حساب الواجهة والشعارات.




أخبار الإقليم