- تأمينات السعدي -

- تأمينات السعدي -

- الإعلانات -

النص الكامل لموضوع خطبة اليوم الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم

- إعلانات -

- إعلانات -

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة منبرية في موضوع:

«الثَّبات على العمل من علامات القَبول»

ليوم: 05 شوال 1446هـ، الموافق لـ 04 أبريل2025م

الخطبة الأولى
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات، وبشكره تزداد النِّعم وتكثُر البركات، نحمده تعالى حمداً يدوم بدوام ذكره وشكره، ونشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونشهد أنَّ سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، القائل ﷺ:

«أحبُّ العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلَّ»[1]،

صلوات ربِّي وتسليماته عليه وعلى آله الطَّيبين الطَّاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أما بعد، أيها الإخوة والأخوات في الإيمان، فها هو الشَّهر الفضيل قد انقضى، وانحسر ظِلُّه عن الكون وانطوى، وآن الأوان لمحاسبة النَّفس على ما كسبت فيه من ثمارِ الطَّاعة والتَّقوى، وما تزودت به من الإيمان والعمل الصَّالح وهي بين الخوف والرَّجاء.

يقول الله تعالى: ﴿وَالذِينَ يُوتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ اَنَّهُمُۥٓ إِلَيٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِے اِ۬لْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَٰبِقُونَۖ﴾[2].

أي يُعطُون ما أَعطَوْا من الزَّكاة والصَّدقات وجميع أنواع البر، وهم يخافون أن لا تقبل منهم[3]. فهم لذلك يسارعون في الخيرات.

فمن وجد من نفسه أنَّه أَبلى البلاءَ الحسن في الشَّهر المبارك الذي مضى، فليثبت على طاعته واستقامته، فإنَّ خيرَ ما يلقى به العبد ربَّه إيمانٌ وعملٌ صالحٌ، روى البخاري عن علقمة قال:

سألتُ أمَّ المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، قلت: يا أمَّ المؤمنين، كيف كان عمل النَّبي صلى الله عليه وسلم، هل كان يخصُّ شيئاً من الأيام؟ قالت: «لا، كان عملُه دِيمَةً، وأيُّكم يستطيع ما كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يستطيعُ»[4].

وقالت رضي الله عنها:

«كان أَحَبُّ العَمَلِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدومُ عليه صاحِبُه»[5].

فهذا هو هدي نبيِّنا ﷺ عمرَه كلَّه، فكان عليه السلام إذا عَمِل عملاً داوم عليه، ولا يهجُره أبداً إلا لضرورة. وكان ﷺ يحبُّ من العمل ما كان دِيمَةً، أي مستمراً في سائر الأوقات، ولا يخصُّ شيئاً من الأيَّام بعمل خاص.

وكان ﷺ يكره هِجْرانَ العمل وتركَه بعد الاشتغال به، لما فيه من تكاسلٍ بعد نشاطٍ، وفتورٍ بعد قوَّةٍ وعزمٍ، يقول النَّبي ﷺ:

«مَهْ عليكم ما تُطيقون من الأعمال، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا»”[6].

أي لا يترك إثابتكم على عملكم حتى تتركوا العمل.

عباد الله: إنَّ الثَّبات على العمل والاستمرارَ عليه دليلٌ على قَبوله، وتأثيره في النَّفس، وبلوغ مقاصده التي لأجلها شُرعت الشَّرائع من صلاةٍ، وصيامٍ، وزكاةٍ، وغيرها.

إنَّ هدي نبيِّنا ﷺ أيُّها الأحبَّة هو أن نُداوم على ما أَلِفناه في شهر رمضانَ من الطَّاعات، استدامة لثمراتها العظيمة في النَّفس، والجسد، والأسرة، والمجتمع.

فلنحافظ إذن عباد الله؛ على صيام التَّطوع ما استطعنا، ولنحافظ على الورد القرآني، وما تيسر من نوافل الصَّلاة، ولنحافظ على العطاء والإنفاق في وجوه الخير؛ الواجبِ منها والتَّطوعي، وتعاهدِ الفقراء، والمساكين، واليتامى، والمحتاجين.

ولنحذر أن تكون طاعتُنا موسميةً تنتهي بانتهاء رمضانَ ثم نعود إلى العوائد السَّيئة التي حرَّرنا أنفسنا منها؛ كالكسل، والبُخل، والشُّح، والأنانية، والخُمول، واتِّباع الهوى، فكلُّها آفاتٌ يجب التَّخلص منها أبداً بعد شهر المجاهدة، والصَّبر، والإيثار.

يقول النَّبي ﷺ:

«إنَّ لكلِّ عمل شِرَّةً، -أي حِدَّةً وقوَّة- ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فمن كانت فَتْرَتُه إلى سنَّتي فقد اهتدى، ومن كانت فَتْرَتُه إلى غير ذلك فقد هلك»[7].

عباد الله، لقد بين النَّبي ﷺ في هذا الحديثِ أنَّ الخير والصَّواب في الاقتصاد في العمل، وأنَّ الشِرَّةَ والحدَّة فيه تؤدي إلى الفُتور وتركه بالمرَّة.

ألا فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا فضله وآلاءه عليكم، واستغفروه يغفر لكم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التَّابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

عباد الله، إنَّ الغاية من صيام شهر رمضانَ هو أن يُؤتي ثمارَه في حياة النَّاس، وأن يترك فيهم آثارَه الطَّيبةَ، ونفحاتِه الخيِّرةَ، وذلك متوقفٌ على مجموعة من الأسباب:

أولها: الإخلاصُ الذي هو شرط في قَبول العمل، وسببٌ أساسي في تحبيب العبادة للمسلم ليستمر عليها، كما قال الإمام مالك رحمه الله: “ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل”.
ثانيها: البعدُ عن الغلو والتَّشدد، فالغلو في الدِّين من أسباب الانقطاع، لبعده عن منهج الاعتدال، الذي جاءت به الشَّريعة، بحيث يقع الغالي في الدِّين في الحرج ويتبرم من كلِّ شيء ممَّا يؤدي به إلى ترك العمل بالمرة، كما قال النَّبي ﷺ:
“إنَّ ‌هذا ‌الدّينَ ‌مَتينٌ، فأوغِلْ فيه برِفقٍ، ولا تُبَغِّضْ إلَى نَفسِكَ عِبادَةَ رَبِّكَ، فإِنَّ المُنبَتَّ لا سَفَرًا قَطَعَ، ولا ظَهرًا أبقَى، فاعمَلْ عَمَلَ امرِئٍ يَظُنُّ أن لَن يَموتَ أبَدًا، واحذَرْ حَذَرًا تَخشَى أن تَموتَ غَدًا”[8].

ثالثها: الموازنةُ بين حقوق الله وحقوق العباد، ولا يتأتى ذلك إلا بمعرفة أنَّها جميعاً من العبادة المطلوبة من العبد، ومن العقود التي يجب الوفاء بها، كما قال سلمان الفارسي لأبي الدَّرداء:
“إنَّ لنفسك عليك حقاً، ولربِّك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، وإنَّ لأهلك عليك حقاً، فأعط كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فأتيا النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، فذكرا ذلك، فقال له ﷺ: “صدقَ سلمانُ”[9].

تلكُم عباد الله بعض الأسباب التي تكون عوناً على المداومة على العمل، واستصحاب ثمار الصِّيام طول العام من غضِّ البصر، وحفظ اللسان، وكفِّ الأذى عن النَّاس، والسَّلامة من أمراض القلوب؛ كالحقد، والحسد، والبُخل، والشُّح، والكراهية، وغيرها.

هذا؛ وخير ما نختم به الكلام، ونجعله مسك الختام، أفضل الصَّلاة وأزكى السَّلام على سيد الأنام، سيدنا محمد بدر التَّمام، فاللهم صلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمد عدد خلقك، ورضى نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك، وعلى آله الطَّيبين المطهرين، وصحابته مصابيح الدُّجى ونجوم الاقتداء، وخصوصا منهم الخلفاء الرَّاشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحب أجمعين.

وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك محمداً السَّادس، نصراً تعز به دينك، وترفع به راية أمَّة نبيِّك محمد ﷺ، اللهم اكلأه بعينك التي لا تنام، واجعله في حرزك الذي لا يُضام، محفوفاً بسرِّ ألطافك الخفيَّة، قرير العين بولي عهده المشمول بعنايتك، صاحب السُّمو الملكي الأمير الجليل مولانا الحسن، مشدود الأزر بشقيقه السَّعيد، صاحب السُّمو الملكي الأمير الجليل مولانا رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشَّريفة.

وارحم اللهم بواسع رحمتك، وكريم جودك الملكين الجليلين مولانا محمداً الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيِّب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.

اللهم أدم علينا عزَّ طاعتك، وأذهب عنَّا ذلَّ معصيتك، وحبِّب إلينا التَّقرب إليك بما شرعته من فرض أو نفل، واعصمنا من شرِّ الفتن، وعافنا من جميع المحن، وأصلح منَّا ما ظهر وما بطن.

ربنا تقبل منَّا صلاتنا وصيامنا وقيامنا وركوعنا وسجودنا وسائر أعمالنا، اللهم راحمنا وارحم والدينا وارحم موتانا وارحم من علمنا وارحم بفضلك جميع المسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنَّك قريب سميع مجيب الدَّعوات.

ربَّنا تقبل منَّا إنَّك أنت السَّميع العليم، وتب علينا إنَّك أنت التَّواب الرَّحيم.

ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النَّار. سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.

[1] – صحيح مسلم كتاب الصيام باب صيام النبي ﷺ في غير رمضان، واستحباب أن لا يخلي شهرا عن صوم، رقم: 782.

[2] – سورة المؤمنون، الآية: 61-62.

[3] – التسهيل في علوم التنزيل، (2/53).

[4] – صحيح البخاري كتاب الرقاق باب القصد والمداومة على العمل. رقم: 6466.

[5] – صحيح البخاري كتاب الرقاق باب القصد والمداومة على العمل. رقم: 6462.

[6] – صحيح البخاري أبواب التهجد باب ما يكره من التشديد في العبادة، رقم: 1151.

[7] – طرف من حديث طويل أخرجه ابن خزيمة في صحيحه كتاب الصوم باب استحباب صوم يوم وإفطار يوم، والاعلام بأنه صوم نبي الله داود صلى الله عليه وسلم رقم 2105.

[8] – السنن الكبرى للبيهقي باب القصد في العبادة والجهد في المداومة برقم: 4744.

[9] – سنن الترمذي أبواب الزهد باب 64، وأخرجه بلفظ قريب منه البخاري في صحيحه.

نسخة الخطبة المنبرية في موضوع الثَّبات على العمل من علامات القَبول

خطبة الجمعة: من أمارات قَبول الصيام الخلقُ الحسنُ وكفُّ الأذى عن الناس
خطبة الجمعة: من أمارات قَبول الصيام الخلقُ الحسنُ وكفُّ الأذى عن الناس

خطبة الجمعة ليوم: 27 رمضان 1446هـ الموافق لـ 28 مارس 2025م تحت عنوان: من أمارات قَبول الصيام الخلقُ الحسنُ وكفُّ الأذى عن الناس، انطلاقا من الحديث النبوي الشريف “اتق المحارم تكن أعبد الناس”.

ذكر الخطيب بأنَّ تقوى الله تعالى هي الثمرة الكبرى والجامعة لكل معاني الصيام. وقد أجملها في ترسيخ الأخلاقِ الفاضلة، واجْتِناب المعاصي والفِتَن، والحِرص على قبولِ العملِ عند الله تعالى.

ثم أشار الخطيب إلى اغتنام ما تبقى من أيام وساعات رمضان بالطاعات والمَبَرَّات، ومن ضمنها زكاة الفطر التي تُكَمِّلُ الصيامَ، وتُطَهِّر الصائمَ مما قد يَصْدُرُ منه من المخالفات، اهتداء بالحديث النبوي الشريف “فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تَمْرٍ أو صاعا من شعير على كل حُرٍّ أو عبدٍ ذكرٍ أو أنثى من المسلمين”

وبين الخطيب رأي المجلس العلمي الأعلى في إخراج قيمتها نقدا لهذه السنة والمحدد في 23 درهما.

ونوه الخطيب إلى وقت إخراجها قبل العيد بيومٍ أو يومين، ليستفيد منها الفقراء والمساكين يوم العيد.

بث خطبة الجمعة: من أمارات قَبول الصيام الخلقُ الحسنُ وكفُّ الأذى عن الناس
نص الخطبة المنبرية: من أمارات قَبول الصيام الخلقُ الحسنُ وكفُّ الأذى عن الناس
الخطبة المنبرية: من أمارات قَبول الصيام الخلقُ الحسنُ وكفُّ الأذى عن الناس
الخطبة المنبرية: من أمارات قَبول الصيام الخلقُ الحسنُ وكفُّ الأذى عن الناس

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة الجمعة

27 رمضان 1446هـ / 28 مارس 2025م

الحمد لله له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، نحمده سبحانه وتعالى إذ أنزل علينا خيرَ كتبه، وأرسل إلينا خير رسله، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، ونشكره، جل وعلا، على أن هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، ومصطفاهُ وخليلهُ، أصدقُ الناس لهجةً وألينُهم عريكةً وأحسنُهم خُلقا وأكثرُهم توبةً واستغفارا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، من الأنصار والمهاجرين، ومن تبعهم وسلك نهجهم القويم إلى يوم الدين.

أما بعد، أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات، فها هي أيام رمضانَ المعدودات على وشْك الانتهاءِ والانصِرام، بكل لياليها وأيامِها المباركات، وهدوءِها وسكينتِها وتلاواتِ القرآن في الخلواتِ والجلوات، وبذلِ الأعطياتِ ورعايةِ الفقراء والمساكين من ذوي الحاجات، والتحلي بالإيثار والتداوي بالصدقات، تاركةً وراءها آثارَها الإيجابية في الأنفس والأبدان والأرواح والمجتمعات. فما أحسنَ صيامَه وقيامَه، وما أسرعَ ليَاليَه وأيَّامَه.

والمأمول للمؤمنين والمؤمنات أن يترك هذا الشهر في نفوسهم آثارَه التي تزيدهم على الدوام قوةً في الإيمان وإقبالا على اغتنام المكرمات بحزم واحتسابٍ وإيقان.

Video-B

عباد الله، إن شهرَ الصيام مدرسةٌ خُلُقِيَّةٌ له غايات جاء من أجل ترسيخها، وله رسائلُ أودعَها صدورَ العباد، تَحمِلُهم على الأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن، وتجنبهم الوقوعَ في المخالفات في حق الله تعالى وحق العباد. نلخصها فيما يلي:

أولا: ترسيخُ الأخلاقِ الفاضلة: إن الغاية من الصيام هي توحيدُ الله تعالى والتسليمُ له وإخلاصُ العبادةِ لهُ، ثم التَّحَلِّي بالأخلاقِ الفاضلةِ من الصِّدْقِ والصَّبْرِ والوفاء لله وللعباد، وغَضِّ البَصر وكفِّ الأذى ونشرِ الكلمةِ الطيبةِ والمودةِ بين النَّاس، والعفةِ عن المحارمِ والبُعْدِ عن الفِتَن، كل ذلك وغيرُهُ يستفاد من معنى الصِّيام الذي هو الإمْساكُ عمَّا حرَّم الله تعالى. وهو أعلى أنواعِ العبادات، كما قال النبي ﷺ:

“اتق المحارم تكن أعبد الناس…”[1].

فتقوى الله تعالى هي الثمرة الكبرى والجامعة لكل معاني الصيام.

ثانيا: اجْتِنابُ المعاصي والفِتَن، فمن أهدافِ الصِّيامِ تَجْنِيبُ المسلم مواطن الفتن والمعاصي، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”

قال الله، تعالى: كلُّ عَملِ ابن آدم لهُ، إلاَّ الصيامَ، فإنهُ لي وأنا أجْزِي به، والصِّيامُ جُنَّةٌ، وإذا كان يَوْمُ صومِ أحدكم، فلا يرفُث ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قَاتَلَهُ، فليقُلْ إنِّي امرؤٌ صائم “[2].

فالمراد من هذا التوجيهِ النَّبوي هو اجتنابُ الفِتنِ وأهلِها، وحمايةُ النَّفْسِ من رُدود الأفعالِ السَّيئةِ والقبيحة، والأمرُ بالدَّفْع بالتي هي أحسن.

ثالثا: الحِرصُ على قبولِ العملِ عند الله تعالى، وذلك بمُلازمةِ مجموعةٍ من الأمورِ، فالقبولُ سِرٌّ من أسرار الله، لا يعرفُه أحدٌ ولا يحكم به أحدٌ على أحد، وإنَّما يَرْصُدُ المسلمُ أَمَارَاتِهِ لتساعدَه على التزام الإنابة وباب التوبة، ومن أمارَاتِهِ تقوى الله تعالى لقوله سبحانه:

إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اُ۬للَّهُ مِنَ اَ۬لْمُتَّقِينَۖ[3].

فالتقوى أمارةٌ كبيرةٌ من أمارَاتِ القبولِ وهي ثمرةٌ كبرى من ثِمارِ الصِّيام.
ومنها ( أي أمَارَات القَبول): استِصغارُ العملِ وعدمُ العُجْبِ به، فالمؤمنُ دائماً يَنْظُرُ إلى عمله مهما كان على أنه قليلٌ، يرجو معه رحمةَ الله ويخافُ عذابَه، ولا يُصِيبُه الغُرُورُ والإعْجَابُ، فهما من أكبرِ معاولِ إفسادِ الأعمال.
ومنها: الثباتُ على الطاعة ودَوامُها، فإذا عمل المؤمنُ عملا صالحا وداومَ عليه، وأتْبَع الحسنةَ حسناتٍ، فذلك من علاماتِ القَبُولِ. وقد “كان النبي ﷺ،
إذا عَمِلَ عَمَلاً أثْبَتَهُ”[4]

أي داوم عليه،

“وإنَّ أحبَّ العملِ إلى الله أدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ”[5].

ومنها: حُبُّ العبادة وتَمَنِّي دوامَها، فالمؤمن يتمنى لو كان العامُ كلُّه رمضان؛ لما وَجَدَ فيها من لذَّة الطَّاعة وَقُرةُ عَيْنِ العِبادة.
ومنها: العزمُ على ترك المعصية، وصحةُ التوبة وكثرةُ الاستغفار، فإذا تغيَّر حالُ المؤمن من سيءٍ إلى حسن، أو من حسنٍ إلى أحسن، فتلك علامةٌ من علامات القَبول، ودليلٌ على أن الباب قد فُتِح له، فَلْيُدَاوِمْ على الاستغفار مِمَّا قدَّم أو أخَّر، كما كان النبي ﷺ يفعل؛ إذ يُكثر من قوله، وهو المعصوم من الذنوب:
“سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي”[6].

ألا فاتقوا الله عباد الله، واستغفروه يغفر لكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية
الحمد لله وليُّ الصالحين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبادَ الله، إن من علامات القَبول الحرصَ على اغتنام ما تبقى من أيام وساعات رمضان بالطاعات والمَبَرَّات، ومن أهمها ما شَرعَه الله تعالى ورسولُه من زكاة الفطر التي تُكَمِّلُ الصيامَ، وتُطَهِّر الصائمَ مما قد يَصْدُرُ منه من المخالفات، لما روى أبو داود عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال:

“فرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زكاةَ الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرَّفَث وطُعْمَةً للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقةٌ من الصدقات”[7].

وهي كذلك زكاة الأبدان لما روى الإمام مالك عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم،

“فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تَمْرٍ أو صاعا من شعير على كل حُرٍّ أو عبدٍ ذكرٍ أو أنثى من المسلمين”[8].

ويجوز إخراجُهَا نَقْداً ومقدارُها – كما ورد في إعلان المجلس العلمي الأعلى لهذه السنة – هو 23 درهما. ويجوز إخراجُها قبل العيد بيومٍ أو يومين، ليستفيد منها الفقراء والمساكين يوم العيد.

ومن تمام النِّعمة الموجبة لشكر الله تعالى إقامةُ ذكرِ الله وصلاةِ العيد بآدابها، لقول الله تعالى:

وَلِتُكْمِلُواْ اُ۬لْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اُ۬للَّهَ عَلَيٰ مَا هَد۪يٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَۖ[9].

اتقوا الله، عباد الله، وأكثروا من الصلاة والتسليم على الهادي الأمين، سيدنا محمد ﷺ، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد بما هو أهله وصل وسلم على سيدنا محمد كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحابة أجمعين، الأنصار منهم والمهاجرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وانصر اللهم من قلدته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المومنين جلالة الملك محمدا السادس، نصرا عزيزا تعز به الدين، وترفع به راية الإسلام والمسلمين. اللهم احفظه بحفظ كتابك، وأَعِدْ عليه أمثال هذه الأيام المباركات، في تمام الصحة وجميل العافية، وأقِرَّ عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولانا الحسن، وشُدَّ أزر جلالته بشقيقه السعيد، صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولانا رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.

وتغمد اللهم بواسع رحمتك وجميل عفوك الملكين الجليلين مولانا محمدا الخامس ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

اللهم أَعِدْ علينا رمضان مَرَّاتٍ عديدة وكَرَّاتٍ مديدة، اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام، واحشرنا في زمرة خير الأنام، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

[1] – سنن الترمذي أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس، رقم الحديث: 2305.

رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف: 10186.

[2] – صحيح البخاري كتاب الصيام باب هل يقول: إني صائم إذا شتم، رقم الحديث: 1805.

رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف: 1739.

[3] – سورة المائدة، الآية: 29.

[4] – صحيح مسلم كِتَاب صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا باب جامع صلاة الليل، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ أَوْ مَرِضَ رقم الحديث: 746.

رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف: 1062

[5] – سنن أبي داود، كتاب الصلاة – باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة رقم الحديث: 1368

رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف: 4768

[6] – صحيح البخاري، كتاب الأذان باب التسبيح والدعاء في السجود، رقم الحديث: 817.

رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف: 661

[7] – سنن أبي داود كتاب الزكاة باب زكاة الفطر، رقم الحديث: 1609

رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف: 6821

[8] – الموطأ كتاب الزكاة باب مكيلة زكاة الفطر، رقم الحديث: 52

رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف: 1459

[9] – سورة البقرة، الآية: 184.

نسخة الخطبة المنبرية: من أمارات قَبول الصيام الخلقُ الحسنُ وكفُّ الأذى عن الناس

خطبة الجمعة: فضل الذكر والعطاء والمواساة في رمضان
خطبة الجمعة: فضل الذكر والعطاء والمواساة في رمضان

خطبة الجمعة ليوم: 20 رمضان 1446هـ الموافق ل 21 مارس 2025 م، تحت عنوان: فضل الذكر والعطاء والمواساة في رمضان، انطلاقا من قوله تعالى: “اِنَّ اَ۬لذِينَ يَتْلُونَ كِتَٰبَ اَ۬للَّهِ وَأَقَامُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرّاٗ وَعَلَٰنِيَةٗ يَرْجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمُۥٓ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞۖ”.

ذكر الخطيب بأنَّ شهرَ الصيام قد مضى مُعظمه وبقي أَعظمه، لما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأُوَلَ من رمضانَ، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال له: الذي تَطلُب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط، فأتاه فقال الذي تَطلُب أمامك. فكان النبي ﷺ يتحرى ليلةَ القدر، ويحرص على اغتنام فضلها، ويحُثُّ أصحابَه على ذلك في الوتر من العشر الأواخر.

ولذا: كان النبي ﷺ “إذا دخل العشرُ الأواخر من رمضان، شَدَّ مِئزرَه، وأحيا ليله وأيقظ أهله.
أشار الخطيب إلى أهم الأعمال الفاضلة في هذه الأيام، وأجملَها في: ذكرِ الله تعالى، وقراءة القرآن، والإنفاقِ في سبيل الله، والإكثارِ من دعاء “اللهم إنك عَفوٌّ تُحب العَفْوَ فاعف عني”.

بث خطبة الجمعة بعنوان فضل الذكر والعطاء والمواساة في رمضان
نص خطبة الجمعة بعنوان فضل الذكر والعطاء والمواساة في رمضان
الخطبة المنبرية: فضل الذكر والعطاء والمواساة في رمضان
الخطبة المنبرية: فضل الذكر والعطاء والمواساة في رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة الجمعة

20 رمضان 1446هـ الموافق ل 21 مارس 2025 م

فضل الذكر والعطاء والمواساة في رمضان

الحمد لله نحمده تعالى على نعمه الجلى، ونشكره على آلائه العظمى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل شهر الصيام فرصة للتكافل والتضامن والبَذْل والعطاء، وجعل قلوب عباده أوفق للتحلي بالسخاء وأبعد عن الشح والبخل والبغضاء، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الأسوةُ الحسنةُ والقدوةُ المثلى في إسداء الخير للغير، صلواتُ ربي وتسليماتُه عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الأخيار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان في القول والعمل وجميل الخلق في الليل والنهار.

أما بعد، أيها الإخوة والأخوات في الإيمان، فها هو شهرُ الصيام قد مضى مُعظمه وبقي أَعظمه، لما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن النبي ﷺ، اعتكف العشر الأُوَلَ من رمضانَ، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال له: الذي تَطلُب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط، فأتاه فقال الذي تَطلُب أمامك. فقام النبي ﷺ خطيبا صبيحةَ عشرين من رمضانَ، فقال:

«من كان اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم، فليَرجِع، فإني أُرِيت ليلة القدر، وإني نُسِّيتُها، وإنها في العشر الأواخر، في وِتْرٍ، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء». وكان سقف المسجد جريدَ النخلِ، وما نرى في السماء شيئا، فجاءت قَزَعَةٌ (وهي قِطَعٌ مِن السَّحابِ رَقيقةٌ)، فأُمطِرْنا، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أثَرَ الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَرْنَبَتِهِ (و‌هي طرف الأنف) تصديقَ رؤياه[1].

عباد الله، في هذا الحديث دليل على تحري النبي ﷺ لليلةَ القدر، وحِرصِه على اغتنام فضلها، وحثِّه أصحابَه على ذلك. وأنها في الوتر من العشر الأواخر. ولذا:

كان النبي ﷺ “إذا دخل العشرُ، شَدَّ مِئزرَه، وأحيا ليله وأيقظ أهله”[2].

وشَدُّ المئزر كناية عن الاجتهاد في العمل والإكثار منه، مع الحرص على إشراك الأهل في هذا الجهد المبارك المثمر.

ومن أهم الأعمال الفاضلة في هذه الأيام، ذكر الله تعالى، لحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، أَرَأيتَ إن علِمتُ أيُّ ليلة ليلةُ القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي:

“اللهم إنك عَفوٌّ تُحب العَفْوَ فاعف عني”[3].

وقوله ﷺ: “تحب العفو” أي تحب العافين عن الناس. وفيه ما يدل على أن المؤمن ينبغي أن يتصف ب

B-post-3
أضف تعليق