- تأمينات السعدي -

- تأمينات السعدي -

- الإعلانات -

المغرب يدخل كأس العالم لصيغة بطل إفريقيا هل سيكون ذلك دافعا للتألق أم عبئاً على الأكتاف فقط

شتوكة تيفي

يدخل المنتخب المغربي نهائيات كأس العالم 2026 في أمريكا، كندا، والمكسيك بوضعية استثنائية غير مسبوقة تضعه تحت مجهر الرصد العالمي ، فهو لا يشارك هذه المرة باعتباره أحد أبرز قوى القارة السمراء فحسب، بل يدخل المنافسات بصفته بطل أفريقيا الرسمي، وهو واقع كرسته قرارات الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، ولن يغيره أي إجراء قانوني قبل ضربة البداية المونديالية.

هذا الاعتلاء للعرش القاري، بقدر ما يمنح “أسود الأطلس” شحنة معنوية هائلة وزخماً جماهيرياً جارفاً، فإنه يضعهم أمام تحدٍّ من نوع خاص، ويعيد إلى الواجهة السؤال الأزلي الحارق: هل يشكل لقب “الكان” حافزاً للتألق العالمي، أم يتحول إلى عبء نفسي ثقيل يكبّل أقدام الأبطال؟

​التاريخ القريب لساحرة المستديرة لا يقدم إجابة خطية قطعية، بل يكشف عن مفارقات غريبة عاشتها المنتخبات الإفريقية التي حملت التاج القاري وتوجهت صوب المونديال.

ففي مطلع الألفية، كانت الكاميرون تعيش أزهى فتراتها الكروية بامتلاكها واحداً من أقوى المنتخبات عالمياً خارج جغرافية أوروبا وأمريكا الجنوبية، وبسطت هيمنتها بلقبين متتاليين لكأس الأمم الأفريقية عامي 2000 و2002، لتدخل مونديال كوريا الجنوبية واليابان وسط سيل من الترشيحات للذهاب بعيداً، لكن الصدمة كانت قاسية بخروج “الأسود غير المروضة” من دور المجموعات مكتفية بالمركز الثالث خلف ألمانيا وأيرلندا.

السيناريو ذاته تقريباً تجرعه المنتخب التونسي الذي صنع التاريخ عام 2004 بالتتويج بلقبه القاري الأول على حساب المغرب، ليدخل مونديال ألمانيا 2006 بطموحات ناطحة للسحاب، غير أن “نسور قرطاج” عجزوا عن استثمار هذا الزخم وغادروا من الدور الأول في مجموعة ضمت إسبانيا وأوكرانيا والسعودية دون ترك البصمة العالمية المنتظرة.

​في المقابل، نجحت تجارب أخرى في فك هذه الشفرة جزئياً وترجمة الهيمنة القارية إلى حضور محترم ، فبعد تتويج نيجيريا بكأس الأمم الأفريقية عام 2013، تمكن “النسور الخضر” بعد عام واحد في مونديال البرازيل 2014 من البصم على مشاركة قوية بتجاوز دور المجموعات وبلوغ ثمن النهائي قبل الخروج بشرف أمام فرنسا، ليقدموا نموذجاً لبطل إفريقي قادر على الصمود في وجه كبار العالم.

Video-B

هذا المسار تكرر بحذافيره مع المنتخب السنغالي الذي أحرز لقبه القاري الأول في نسخة 2021، ودخل مونديال قطر 2022 بثقة مدعومة بجيل ذهبي محترف في كبريات الدوريات الأوروبية، ورغم غياب نجمه الأول حينها، نجح “أسود التيرانجا” في عبور المجموعات قبل أن تتوقف الرحلة عند محطة ثمن النهائي أمام إنجلترا.د ، ليبقى سقف طموح البطل القاري محصوراً في هذا الدور.

أما الحالة الأكثر غرابة في السجلات الإفريقية فتبقى تجسيداً لعدم وجود ضمانات، حيث فرض الفراعنة سيطرة مطلقة على القارة بثلاثة ألقاب متتالية بين عامي 2006 و2010 في إنجاز إعجازي، ومع ذلك، عجز المنتخب المصري عن حجز بطاقة التأهل لمونديال جنوب أفريقيا 2010، مما أكد أن التفوق داخل الحدود القارية له حسابات تختلف تماماً عن حسابات الإقصائيات والنهائيات العالمية.

​عند غربلة هذه التجارب المتنوعة، يتضح أن بطل إفريقيا غالباً ما يحافظ على هيبته التنافسية، لكنه نادراً ما يفلح في تحويل تفوقه القاري إلى إعصار يضرب في كأس العالم، إذ يظل السقف في أفضل الحالات بين ثمن النهائي أو المغادرة المبكرة، مما يعني أن لقب كأس الأمم يمنح الهيبة والخبرة، لكنه لا يغير القوانين الصارمة لبطولة محكومة بضغوطات رهيبة ونوعية منافسين من طراز رفيع.

غير أن ما يجعل حالة المنتخب المغربي في مونديال 2026 فريدة ومثيرة للاهتمام، هو أن “أسود الأطلس” لا يدخلون المسابقة بصفتهم أبطال القارة الفراعنة فحسب، بل يتسلحون بإرث تاريخي غير مسبوق بعد أن أصبحوا أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم في النسخة الماضية. هذا الإنجاز الأسطوري رفع سقف التوقعات الجماهيرية والإعلامية إلى مستويات لم تشهدها السنغال أو نيجيريا أو الكاميرون في أي وقت مضى، فالشارع الرياضي المغربي ومعه الملايين في إفريقيا والعالم العربي لن يقبلوا بمجرد “مشاركة مشرفة” أو خروج هادئ، بل يترقبون تأكيد المكانة ومواصلة مقارعة الكبار بنبرة الند للند.

​بين التفاؤل والواقعية، يبدو اللقب الإفريقي للمغرب سلاحاً ذا حدين؛ فمن زاوية إيجابية، هو يعزز منسوب الثقة ويؤصل لعقلية الانتصار والريادة التي غرسها وليد الركراكي في مجموعته، مؤكداً أن مسار المنتخب يسير في خط تصاعدي ثابت. ومن زاوية أخرى، يضاعف هذا التتويج من حجم الضغوط المسلطة على أكتاف اللاعبين ويجعل أي تعثر مفاجئ بمثابة هزة غير مقبولة في الأوساط الرياضية.

لكن الفارق الجوهري الذي يمتلكه المغرب اليوم مقارنة بكل النماذج التاريخية السابقة، هو امتلاكه لـ “شفرة” المونديال وخبرة اللعب في المربع الذهبي العالمي، بالإضافة إلى تركيبة بشرية اعتادت مقارعة الضغوط في أعلى المستويات الأوروبية.

ومع اقتراب ساعة الحقيقة في الملاعب الأمريكية، يظل السؤال معلقاً ومشوقاً: هل ينجح دهاء الأسود في تحويل التاج الإفريقي إلى منصة إقلاع نحو مجد عالمي جديد يكسر العقدة التاريخية للأبطال، أم أن المونديال سيثبت مجدداً أن معارك كأس العالم تُلعب بتفاصيل وحسابات لا تعترف ببريق الألقاب القارية؟

B-3
أضف تعليق