بين السياسة وكرة القدم.. حين تصبح “نتائج الميدان” هندسة مسبقة المنتخب المغربي شتوكة أيت باها نمودجا
شتوكة تيفي _ مصطفى رضى
تتقاطع أحياناً مسارات السياسة مع رقعة الميدان في تناغم يثير الكثير من الريبة، وكأن التوقعات لا تُبنى على الأداء أو الاستحقاق، بل على توافقات أُبرمت في الغرف المغلقة قبل أن تُلمس الكرة أو تُحسم صناديق الاقتراع.

- إعلانات -
لقد جسدت الخيبة التي أصابت الجماهير المغربية يوم أمس، حين تعثر المنتخب الوطني خلافاً لكل الآمال، صدىً لتلك الكواليس التي سبقت المباراة، حيث طغت لغة المصالح على روح التنافس الرياضي.
إن زيارة رئيس الحكومة الفرنسية للمغرب برفقة وفد وزاري رفيع لتوقيع اتفاقيات استراتيجية، وما رافقها من دلالات سياسية، أعادت للأذهان سيناريو نصف نهائي مونديال قطر ، حيث تُفرض الظروف السياسية نفسها كقوة قاهرة تتجاوز أقدام اللاعبين، لتصبح المباراة مجرد إطار لمشهد أُعدت تفاصيله سلفاً، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول هامش الحرية والمنافسة في ظل تداخل المصالح العليا.
هذه المقاربة، التي تربط ما يجري في ملاعب الرياضة بميادين السياسة، لا تنفصل عن واقع الانتخابات البرلمانية القادمة في إقليم اشتوكة أيت باها، حيث تبدو “رياح التغيير” التي تنشدها القواعد مجرد شعار للاستهلاك، بينما الخارطة الانتخابية تُرسَم بدقة جراحية لا تترك مجالاً للمفاجآت.
فالمشهد السياسي بالإقليم بدأ يتشكل بوضوح، مع تزكيات حسمتها الأحزاب الكبرى بناءً على معايير “الضمانة” و تأكيدية التجاح.
فبينما اتجه حزب التجمع الوطني للأحرار لترسيم كرم الصغير كفارس لرهاناته بضمانات مالية من كرم الأكبر، سارع حزب الأصالة والمعاصرة لترسيم تزكية الحسين الفاريسي، أما حزب الاستقلال، وبعد مخاض طويل من الحسابات والمشاورات، فقد آثر العودة إلى “البيت الداخلي” بالتوجه نحو تزكية أزوكاغ، متجاوزاً كل الصراعات الجانبية والإغراءات، ليقينه بأن هذا الاسم هو الرهان الأكثر أماناً للحفاظ على مقعده في ظل خارطة طريق انتخابية محسومة.

وفي خضم هذا الاستقطاب بين الكبار، يبرز مشهد “أرانب السباق” ، تلك الأسماء التي تقدمت للواجهة وتتلقى تنويهاً هنا وهناك، لكنها تدرك قبل غيرها أنها مجرد قطع في رقعة شطرنج يحرّكها الكبار لخدمة أهداف استراتيجية، سواء لتشتيت الأصوات أو لإضفاء صبغة “التنافسية” على استحقاق حُسمت نتائجه تقنياً قبل انطلاقه.
أما الحركة الشبابية التصحيحية التي عقدت آمالاً عريضة على إحداث اختراق حقيقي، فتبدو اليوم في مواجهة واقع مرير، حيث تكتشف أن العمل السياسي، تماماً كالمباريات التي تحكمها المصالح، يخضع لخطة موضوعة سلفاً، تهدف إما لربح اللقاء أو خسارته بـ”فعل فاعل”، لتبقى طموحات التغيير الحقيقي أسيرة لترتيبات فوقية تحول دون وصول دماء جديدة إلى دوائر القرار، مما يكرس استمرار الوجوه نفسها، ويجعل من العملية الانتخابية مجرد تكرار لسيناريوهات لا تحمل في طياتها أي رغبة حقيقية في تجديد النخب أو الاستجابة لتطلعات المواطنين.
إن الوعي المتزايد لدى الناخبين في اشتوكة أيت باها لا يزال يصطدم بواقع بنيوي صلب، حيث أثبتت التجارب أن النوايا الحسنة للشباب الطامحين للتغيير غالباً ما تذوب أمام ترسانة “آليات التحكم” التي تتقن إدارة المشهد الانتخابي.
فقد خاضت عدة فئات شبابية مغامرات سياسية جادة للإطاحة بالخريطة التقليدية وفرض واقع جديد، إلا أنهم وجدوا أنفسهم أمام “صعوبات هيكلية” أضخم من قدراتهم التنظيمية والتمويلية.
صعوبات جعلت من حركتهم وديناميتهم مجرد أصوات خافتة لا تكاد تُسمع أمام قوة المصالح والتحالفات القائمة.
وهنا يُختصر مآل المنتخب الوطني في أن الأمر قد تجاوز كل الخطط الأكاديمية للمدرب وهبي، وبات أكبر من طموحات اللاعبين الشباب الذين لم يتجاوزوا الثامنة عشرة من عمرهم، أمثال بوعدي وجاسمي وغيرهما من المواهب الصاعدة.
إذ تبدو هؤلاء الأخيرون مجرد أدوات في منظومة أوسع، حيث إن “المبارين” في الكواليس هم من يملكون مفاتيح التحكم الفعلي في خيوط اللعبة، مما يجعل مجهودات التقنيين وعرق اللاعبين على أرضية الميدان ثانوياً أمام الحسابات التي تُحاك بعيداً عن أعين الجماهير.




أخبار الإقليم